متفرّقات القلم الحر: بين الدين والسياسة لا يصح الجمع ولا الفصل بل القطع
بقلم: عفيف البوني
حصل الجمع بين الدين والسياسة في حالات فريدة في تاريخ ماض بمنطقة معتنقي الديانات التوحيدية وهي حالات اقتصرت على الأنبياء والرسل بحكم انفرادهم بتلقي الوحي الإلهي فقد جمعوا بين البعثة الدينية والقيادة السياسية لأقوامهم الذين آمنوا بهم، أما غيرهم ممّن إدّعوا أو يدّعون من كل المذاهب والطوائف والأديان في كل العصور كالحاخامات في الموساوية والباباوات في المسيحية والخلفاء والمفتين ورجال الأديان... فهم منتحلون لصفة التكلم باسم المذهب أو الطائفة والدين، فهم يزعمون الجمع بين تمثيل الدين وتمثيل السياسة أو تسييس الدين أو تديين الشأن العام وذلك لخدمة مصالحهم من ذلك اختراع أسطورة الإسلام السياسي لعجز دُعاته عن ممارسة السياسة بوسائل سياسية بحتة، ولذا يتحايلون على البسطاء لتوظيفهم سياسيا باستغلال العاطفة الدينية للمتديّنين من البسطاء.
وفي الدول والمجتمعات التي تضخم فيها الإسلام السياسي وانتشرت فيها ثقافة العنف والإرهاب والحرب الأهلية والفساد والدمار: العراق، سورية، اليمن، ليبيا، أفغانستان... الخ، أما الدول والمجتمعات التي ألغت لعبة الجمع بين الديني والسياسي فهي تنعم بالأمن والنظام والتعايش والسلم والتنمية ولا يقتل فيها أحد بسبب دينه أو تفكيره المختلف، فكل الناس أحرار في معتقداتهم بشرط عدم المس بالأمن والنظام العام أي بالقانون، والنشاط السياسي يحميه القانون للجميع.
وفي تونس آمن بعض التونسيين بالجمع بين الدين والسياسة لمحاربة ما أسموه بتصحير تونس من الدين، فجاؤوا بالإسلام السياسي لتصحير تونس من الإسلام الزيتوني المتسامح وهكذا جاء التطرف والعنف والتعصب ومعاداة العلم والفن والحريات... وجاؤوا بفكرة الدعوة لأسلمة المسلمين، والأصل أن الدعوة توجّه لغير المسلمين، وذلك لأنهم يزعمون أن إسلام التونسيين (فاسد) أي غير مسيّس، ومَن قَبِلَ دعوتهم أي تسييس الدين تحزّب معهم وصار في نظرهم إسلامياً.... وقد اكتشف دعاة الجمع بين الدين والسياسة نضج ورفض التونسيين لدعوتهم خصوصاً وأن الدولة مدنية بنظام ديمقراطي أي لا يجوز منطقاً وواقعاً أن تكون كذلك وأن توجد فيها أحزاب تخلط الدين بالسياسة لذلك أعلنوا أنهم ينوون التخلص من الجمع بين الدين والسياسة عبر البحث عن شكل هولامي من الفصل بين الديني والسياسي في الظاهر كأن يشطروا جسد الحاج موسى إلى شطرين أحدهما الحاج موسى السياسي والثاني موسى الحاج الديني وهذا الأخير يعمل في التعبئة بالعمرة والحج، وفي الجوامع كما فعل الجوادي في جامع اللخمي وحزبه، ويقولون ها قد فصلنا الديني عن السياسي ونحن لا نمثل احتكار الإسلام ونحن حزب مدني...
الدولة المدنية الديمقراطية هي التي تقطع بين السياسة كشأن عام، السيادة فيه للمواطنين وبين الدين كشأن فردي وخاص ولا وصاية فيه لأحد على عقل أحد آخر.